..





..


السبت، 5 أبريل، 2014

وجع الحرية

يا سادة يا كرام، تجتاحني رغبة بالحديث عن الحرية، الحرية التي أتوق للإحساس بها، ورؤية وطني يتنعم بها، وكلما أردت الحديث عنها، استحضرَت ذاكرتي أحد رموزها دون غيره، إنه البطل أحمد الدقامسة عماد الحرية في الأردن.

لمن لا يعرف من هو أحمد الدقامسة، هو أحد الجنود حرس الحدود البواسل في الأردن، أثناء صلاته قامت سائحات صهيونيات بالاستهزاء منه، فما كان منه إلا الرد ببندقيته، في دولة عدل وحق، هو بطل مقاوم، طهر  أرضه من دنس أقدام سياح أتوا من دولة كيان عدو محتل، ودافع عن شرفه ودينه من اعتداء العدو، ولكن في دولة يحكمها نظام ظالم، هو مجرم يستحق حكم المؤبد.

القضية في قصة هذا البطل، أنه أنهى فترة محكوميته المؤبد، والدولة مازالت ترفض الإفراج عنه، ومؤخراً أعلن الإضراب عن الطعام، وتم نقله إلى المستشفى في حالة صحيّة سيئة واستمر على إضرابه، يوميّاً يخرج العشرات والمئات أحياناً من أبناء الحراك الشعبي الأردني وأبناء عشيرته مطالبين بحريته، ويوميّاً يتم الاعتداء عليهم من قبل الأمن، وضربهم وقمعهم بالعنف، وفض اعتصاماتهم بالقوة.

أحمد الدقامسة هو رمز البطولة والحرية في الأردن، من سجنه نتعلم يوميّاً كيف يستحق الوطن الصمود لأجله، والتضحية في الحرية خارج أسوار السجن من أجله، لأن الدقامسة المغوار قضى حكم مؤبد والآن تجاوز فترة حكمه في السجن، هو الوحيد بيننا الذي عرف معنى الحرية الحقيقية، كيف تملك القرار والإرادة في بذل الروح من أجل وطنك، دون أن تخشى العواقب، دون أن تخشى الموت أو السجن، أي ّ حرية هي تلك!

أغبط الدقامسة على إحساسٍ ربما لن نملكه في يومٍ من الأيام، ولكن حان الوقت لأن نحقق له تحريره من سجن الظالم، لا أن نطالب بتحريره، علينا امتلاك تلك اللحظة التي دفعت الدقامسة للتضحية بكل شيء، فنضحي نحن من أجل إطلاق سراحه والإفراج عنه، إما أن نرافقه داخل أسوار السجن، أو يرافقنا خارج أسواره، الدقامسة بطل واجب النظام والوطن والشعب تكريمه، لا تجريمه!

الحريّة وجع، يتجرعه الدقامسة يوميّاً، حتى يحققها كاملة، فلنخفف عنه وجعه، أو فلنرفع عنه بعض ألمه، إن واجباً إن لم نقدر على الإتيان بمثل فعله، على الأقل أن ندافع عنه.

بجوعك، بأمعائك الخاوية يا دقامسة اقرع أسوار السجن، إن قضبان السجن تتوق لتحريرك.

26/03/2014

إيناس مسلم 




الأحد، 30 مارس، 2014

أو الكرامة



اعتزاز المواطن العربي بنفسه يمنعه من الاعتراف بالخطأ حين يقوم به، فتجده يتحدث مثلاً ويخطئ في تعبير ما حينها على الفور يضع أداة التخيير "أو" في منتصف الجملة ويتبعها بكلام معاكس تماما لما سبقها ويكمل حديثه في ذات السياق كأن شيئاً لك يكن، ذلك من باب الحفاظ على ماء وجهه أمام المستمعين حتى لا يبدو بمظهر المخطئ مما قد يفقده مصداقيته، أو ينتقص هيبته، مثال توضيحي أن نقول " قام الملك الفلاني بزيارة رسمية أوووو سرية لنظيره"، وهنا نجد الفرق الشاسع بين الزيارة الرسمية والسرية بأن الأولى الإعلان عنها مسبق والجميع على علمٍ بها وأهدافها وأجنداتها معلنة لعامة الشعب، أما الثانية فلا ينبغي لعامة الشعب العلم بها حتى بعد حدوثها، ولكن المُتحدث بكل بساطة أخطأ بحرف الميم، وكرامته لم تسمح له بالاعتراف بالخطأ أو الاعتذار فأكمل حديثه بأداة التخيير معتبراً أن ما قبل الـ"أو" شابه ما تلاها ويصلح كبديل عنها، و من الملاحظ أن هذه الـ أو تتميز بأنها "ممطوطة" لمنح المتحدث الوقت اللازم لاستدراك الخطأ.

من باب الوضوح والمصداقية، المثال من محض خيالي ولا علاقة له بالواقع، ولكن يصلح للقياس عليه ما يجري في كل سياساتنا، في مجلس النواب مثلا يجوز أن نطالب بطرد السفير الصهيوني "أو" منح الثقة للحكومة التي رفضت طرد السفير.

في دم الشهيد رائد زعيتر يجوز أن نطالب بالقصاص من قاتله " أو " قبول رسالة اعتذار أنكر إرسالها الكيان الصهيوني.

في قضية التحقيق في مقتل الشهيد يمكننا أن نقوم بتطبيق العدالة " أو" قبول وعد كاذب من الملك بإظهار الحقيقة.

في وفاة الطفل علاء رائد زعيتر يمكننا أن نحاسب النظام الذي تكفل بعلاجه " أو" تعزية والدته في الفقيدين.

في قضية انتهاء محكومية البطل أحمد الدقامة وعدم إطلاق سراحه بعد يمكننا أن نفرض الإفراج عنه بكل الوسائل المتاحة وغير المتاحة " أو " نتركه مُضرباً وحده عن الطعام حتى يموت!

في الحراك الشعبي الأردني يمكننا أن نوّحد قوانا ونضرب الفساد بيد ٍ واحدة " أو " نترك النظام يعيث المزيد من الفساد ونتابع نحن تناحرنا على مراكز القوة.

يسبق الـ أو ما يجدر بنا فعله، وما خرجنا قبل أربعة  أعوام ٍ لفعله ويلي الـ أو واقع الذل والعار الذي رضينا به
في مختلف مجالات حياتنا وصراعنا مع الفساد والإفساد في الأردن يمكننا أن نرفض الواقع ونتمرد عليه، أو يمكننا أن ندفن رؤوسنا في الرمل كما فعلنا لعقود ونستعد للمزيد من جلد ظهورنا العارية فقراً بأصوات سرقاتهم وانتهاكاتهم، وهنا صدقا هي حالة تخيير بين الصواب والخطأ، لا تطبيق الخطأ واعتباره بديلاً عن الصواب!
للتوضيح: ما جاء بالأمثلة أعلاه لم يكن الخطأ وتصحيحه كما ذكرت في المقدمة، إنما الصح وعدم تطبيقه.

ما نفع الاحتفاظ بالـ أو الممطوطة إذا كانت الكرامة نفسها ممعوطة!

إيناس مسلّم
30/03/2014




الأحد، 16 مارس، 2014

فشك فاضي

منذ استشهاد القاضي زعيتر، وخروج المسيرات المناهضة لمعاهدة وادي عربة ووجود السفارة الصهيونية، والنظام يستعرض قوات الأمن، فتارة تجد أعداد الدرك تفوق عدد المتظاهرين بأضعاف مضاعفة، وتارة تجدهم حولوا منطقة الرابية إلى معتقل عسكري وأغلقوها بمدرعاتهم ومعداتهم العسكرية، ناهيك عن الصور والفيديوهات التي يتناوب صحفيو النظام على التقاطها ونشرها للتباهي بها، وتزيينها بعبارات الترهيب مثل "وقفة أسود"،و "صقور النشامى"، و"قطط الحواري"، وما شابه ذلك من عبارات، ويتداولها موالو النظام بين صفحاتهم وينشروها تحت عبارات الترويج " كم لايك لعيون هالدركي"، "شو بصير بالحراكي لما يشوف هالوحش قباله".

ماذا لو كان المتظاهر أمام السفارة، أو الحراكي أو المعارض مواطناً أردنيّاً، لماذا عليه أن يخاف من الدرك، ألن يكونوا حينها مواطنون من نفس البلد، لماذا على ابن البلد أن يخاف من قوات حفظ أمن البلد التي هو ابنها!!، لو كنت أنا مواطناً أردنيّاً لن أخاف إذا ما وقف أمامي دركي بكامل لباسه العسكري وأسلحته النارية والبيضاء!، المفروض من وقفته أن يحميني إذا ما واجهتُ عدواناً خارجيّاً، لو كنتُ مواطناً أردنيّاً لشعرتُ بالأمان حين رأيتُ ذلك الوحش أمامي، ولو كنت مواطناً أردنيّاً لملأتُ الكون بـالـ"لايكات" لعيون الدركي الذي يفدي الوطن بروحه، ولكن طالما أنا عدو خارجي، ومندس لا أحمل إلى هذا الوطن أجندات التخريب، وطالما تواجدت أمام السفارة الصهيونية، وعلى دواوير الوزارات المسؤولة عن صنع القرار، وعلى باب الديوان منبع الفساد الأول، وطالما أنا أحارب الفساد والفاسدين، وأطالب بالحرية لهذا الوطن، وأطالب بالعدالة الاجتماعية وكرامة المواطن، إذن أنا عدو ومندس وصاحب أجندات، وإذا أضفت على ذلك أنني فتاة، سأجد صفات أبشع بكثيرلأتصف بها، وطالما أنني أتصف بكل هذا إذن يجب أن أشعر بالتهديد من الدركي، الذي إذا ما زجرني بنظرة عليّ أن أسقطُ أرضاً، ويجب أن أخشى سطوة عصاه التي إذا ما لاحت أمام وجهي لفت الدنيا برأسي، ولكنني لا أفعل، ولا أشعر بالخوف، ولا أشعر بالتهديد، فأنا فوق كل الصفات وكل معايير قياس الوطنية التي تسخدمها أجهزة النظام، أنا مواطن أردني، وقبل كل شيء مواطن أردني، وفوق كل شيء مواطن أردني، وحين أرى الأمن يحمل العتاد والسلاح ويلوح بمدرعاته وأقنعته وعصيه في وجهي، لا أملك إلا أن أتساءل بيني وبين نفسي، إذا كان هؤلاء هنا لمواجهتنا، من على الحدود لمواجهة قتلة الشهيد زعيتر!!

ما أجده أغرب من كل ذلك، أنهم ثاروا وغضبوا، وأقاموا "بيجات" الفيسبوك ولم يقعدوها، لأن المعتصمين لم يتلقوا إهانات رجال الأمن بصدر رحب، ولم يلقوا بالاً لتهداديتهم، ورفعوا أعواد أصابعهم بوجه عصي رجال الدرك وأسلحتهم الحديدية، فثارت جماعات الموالاة من خلف الشاشات عليهم، وثاروا من أجل كرامة الشرطة والدرك المُهانة من قبل المعتصمين من وجهة نظرهم، الجزء الذي أجده غريباً، أنهم يرون أن المواطن يهين رجل الأمن حين يرفض الرضوخ لتهديداته، ويرون أن المواطن يعتدي على رجل الأمن حين يرفع اصبعه الأعزل في وجه سلاحه، ولا يرون أن رجل الأمن يهين نفسه حين يضرب مواطناً أعزل، ولا يرون أن رجل الأمن مُهان أصلا ً من النظام حين تكون وظيفته حماية العدو الصهيوني، وكرامته مُهانة مئة مرة حين لا يحمل في جعبته نهاية كل أسبوع سوى قصص الاعتداء على المواطنين الأبرياء والتحرش بالمعتصمات الإناث وحماية الفاسد والصهيوني ليرويها لوالدته، ألا يشعر حينها بالإهانة!! ألا يشعر بالإهانة حين يستلم دنانير راتبه وهي مغموسة بدم المواطن الفقير وعرقه، ثم يخرج عليه ليضربه وينهال عليه بهراوته، ألا يشعر بالإهانة حين يرى أن وظيفته قد تحولت من شرف حماية الوطن إلى عار حماية القصر وحراسة السفارة!!

لو أرادوا فعلا أن يثوروا لكرامة رجال الأمن والدرك، فليثوروا من أجل أحمد الدقامسة، أليس دركي دافع عن كرامته وحدود وطنه كما نصت متطلبات وظيفته، وقام النظام باعتقاله وحبسه ورفض الإفراج عنه بعد أن أنهى محكوميته، أحمد الدقامسة الآن أعلن الإضراب فثوروا من أجله يا حماة كرامة الدرك، ثوروا من أجل أحمد الصبيحي، أليس رجل أمن رفض التستر على مخالفة القانون، فقام رجال النظام بقتله غدراً بدمٍ بارد، ثوروا من أجل كرامته!! أم أن رجل الأمن الوطني الشريف لا كرامة له في حساباتكم!!


ثوروا كما شئتم من وراء شاشاتكم، إن ثوراتكم فشك فاضي كعقولكم، وفصّلوا الكرامة على مقاساتكم، إن مقاييسكم لها أصغر من أن تتسع أحذية لأقدام الأحرار.

كل التحيّة لأحمد الدقامسة أسد الأغوار، وكل رجل أمن وطني حر مغوار.

إيناس مسلّم
16/03/2014







الخميس، 13 مارس، 2014

وقفة عزّ

من قصص بطولة الجيش الأردني في فلسطين، أنه في عهد الانتداب البريطاني كان هناك مجموعة من القرويين يدافعون عن قريتهم ضد مستوطنة صهيونية مدججة بالسلاح احتلت أرض القرية، وقامت بشكل يوميّ بقنص سكان القرية، وكان هناك مدرعة عسكرية يقودها ضابط أردني موجودة في المنطقة، ذهب إليه مجموعة من الشباب، وطلبوا منه أن يقود المدرعة باتجاه المستوطنة ويقوم بإطلاق النار عليها، لعدم تمكنهم من فعل ذلك بصدورهم العارية دون الاحتماء بمدرعة، الضابط رفض متذرعاً بالأوامر بعدم القتال، والتي من شأن مخالفتها تعريضه للمحاكمة والمساءلة القانونية حيث بذلك يخالف قسَمه باتباع أوامر القيادة البريطانية، حاول الشباب مرة تلو الأخرى، لثقتهم بنخوة الأردني الأصيل، والذي بينه وبين نفسه لم يكن بحاجة الكثير من الكلمات ليميز بين الصح و الخطأ، والفرق بين اتباع أوامر الضمير أم أوامر القيادة، ووافق بالفعل  على قيادة المدرعة باتجاه المستوطنة، على أن يقوموا هم بإطلاق النار منها، حتى إذا ما تمت محاكمته أقسم أنه لم يطلق النار دون أن يكون كاذب، وحين بدأ قصف المستوطنة لم يتمكن الصهاينة من الرد لشدة الصدمة، حيث أن معلوماتهم تدل على أن هذه المدرعة موجودة لحمايتهم لا قصفهم.

أجزم أن ذلك الضابط نام كل ليلة بعد تلك الليلة مرتاح البال، وأجزم أن ملامح الفخر لم تفارق محيّاه طوال سنين عمره، وأجزم أنه مات بوجهٍ منير كالبدر، وأجزم أنه لو خالف ضميره واتبع أوامر قيادته، لعاش حياةً مـِلؤُها الندم والإحساس بالخزي والعار.

ومن المواقف الأخرى لأبطال جيش الانقاذ، رفضهم التخلي عن الدفاع عن إحدى القرى الفلسطينية والاكتفاء بعدم التدخل في الحرب، والعودة إلى الأردن ورؤوسهم منكسة، واتخذوا عهداً بينهم وبين رجال القرية، أن الحل الوحيد أمامهم إما الموت دفاعاً عن أرض فلسطين، أو العودة إلى الوطن ورايات النصر مرفوعة، والهامات منبسقة حد السماء فخراً.

كثيرة القصص حول البطولات الأردنية في فلسطين، وكثيراً ما أحب استذكارها، كلما رأيت ضابطاً عسكريّاً يقف على سور السفارة الصهيونية في الرابية استذكرت مواقف البطولة الأردنية في فلسطين، كلما رأيت صورة لضابط أمن يعتقل أو يضرب مواطناً أردنيّاً اعتصم أمام السفارة رفضاً لوجودها استذكرت مواقف البطولة الأردنية في القتال جنباً إلى جنب مع الفلسطينيين، كلما رأيتُ رجل أمن يقف لحماية سفارة العدو الصهيوني من احتمالية اقتحام المواطن الأردني لها رفضاً لوجودها على الأرض الأردنية، ورفضا لسياسة السلام مع العدو المحتل، ورفضاً للتطبيع مع الكيان الصهيوني، استذكرت مواقف البطولة الأردنية في التصدي لقوات الاحتلال وردّهم النار بالنار وإن لم تكن الأخيرة بمثل قوة الأولى.

تلك كانت الأصالة الأردنية، شعباً وجيشاً، على مدى عقود من الزمن سعى أصحاب المصالح لنزع تلك الأصالة من النفوس الأردنية، وتعويضها بالنزاعات العنصرية تارة، وتحويلها إلى ممارسات عشائرية سلبية تارة أخرى، فمثلاً سيكون الرد العشائري الأردني على اغتيال القاضي زعيتر بجلسة عربية وفنجان قهوة واعتذار موقع باسم نتنياهو، وأجزم بكل حسم بأن أيّ من أبطال القصص أعلاه ما كانوا ليرضوا بأقل من الدم الصهيوني ردّاً على الدم الأردني الطاهر، فكيف يقبل بذلك أحفادهم!!!!!!!!!! الأصالة هي الأصل من كل شيء، والنظام الذي من أصله راكع للانتداب البريطاني، وتابع للقيادة البريطانية، ذلك نظام العمالة والخيانة متأصلة فيه، وهي الأصل منه، وبينما رفض أبناء الجيش العربي الأردني أنذاك تنفيذ تلك الأوامر لأصالتهم العربية، ولتأصُل الكرامة فيهم، عليهم الآن أن يرفضوها تنفيذاً لأوامر الضمير على أوامر العميل، اتركوا العمالة للنظام وكونوا أنتم أبناء الأصل.

لا عزّ في وقفة رجل الأمن لحماية سفارة العدو الصهيوني في وجه ابن البلد صاحب الحق، والجندي الذي يحمي سفارة عدوّه لن يأتي يوم ويحمي تراب أرضه إذا ما اعتدى ذلك العدو عليها، الأردن غالية، أغلى من نظامها، فلا تسلموها تنفيذاً لأوامر نظام عميل، أصوله لا تمت لكرامة الأردني بصلة.


من حدود الكرامة المهانة،
إيناس مسلّم
13/03/2014



الأربعاء، 12 مارس، 2014

لحظة العار التاريخية

لطالما خرج علينا الحكام العرب بخطاباتٍ رددت صداها الجدران المحيطة بهم، حيث كانت الوحيدة المهتمة بالاستماع لخطاباتهم بالإكراه والقسر، معظم الخطابات يبدأ بـ " نحن اليوم نقف أمام لحظة تاريخية"، ولا تكون تلك اللحظة مختلفة عن أيّ لحظة أخرى وقفناها أمام كل هزيمة تجرعناها عقب  هزيمة.

ولكن اليوم، حاضرنا هذا، واقعنا هذا، نحنُ فعلاً نقف أمام لحظة تاريخية، سجلّوا هذا اليوم، احفظوه، تذكروه، ذاكروه، علِّموه لأولادكم، ازرعوه في عقولهم، قيّدوه في سجلٍ خاص لوحده، بعيداً عن سجلات اللحظات التاريخية العابرة على تاريخ العرب والعروبة، فاليوم هو يوم استشهد القاضي الأردني الشاب رائد زعيتر على أيدي جنود الاحتلال الصهيوني، وردَّ النظام الأردني بتشكيل فريق تحقيق مشترك بين قوات العدوّ والمباحث الأردنيّة، اليوم هو يوم الحضيض الأردني والعربي عامةً، فلا أظننا سنصل إلى حضيض أسفل من هذا!

نادوا مشهور الجازي، نادوا كايد مفلح عبيدات، نادوا  أبناء عشائر الفايز والهلسة والبطارسة والعياصرة والزغول والنهار والطراونة وغيرهم المئات والآلاف ممن سقطوا شهداءً برصاص الاحتلال، نادوهم جميعاً وأخبروهم أن اليوم وعلى الأراضي الأردنية، وفي ذات شهر الكرامة، وعلى أيدي العدو نفسه انضم إليهم شهيد جديد ألا وهو القاضي رائد زعيتر، افتحوا له أبواب الجنّة، واستقبلوه في مراتب الشهداء، وارفعوا عنه هم فراق أهله، قد فارقهم إلى حيث لا فراق ولا هم ّ أو زعل، أخبرهم يا قاضي الحق أن قضيتهم مازالت لم تُحقق عدالتها، وأن فلسطين مازالت مُحتلة، وأن الجيش الذي كان يوماً جيشهم، وكان هدفه تحرير فلسطين، بات هدفه حماية حدود المحتل من المقاومة، وضمان توفير الأمن والسلام له، والسهر على راحته.

في هذا العام، رجاءً امتنعوا عن إحياء الاحتفالات السنويّة بذكرى معركة الكرامة، فإننا  ومن أعوام لا حق لنا في استذكار هذه المعركة والاحتفال بها، والأَولى أن نستذكر بأيّ حقٍ أضعنا شرف تلك المعركة، وبظل حكم أي نظام هدرنا دماء الشهداء.

لا بأس عليك يا رائد، أنتَ فارقت وارتحت من أعباء هذا العالم، البأس كل البأس علينا، سنخذلك كما خذلنا من سبقك، وسنعجز عن أخذ حقك كما عجزنا عن أخذ حق من قبلك، وسيقبضون دمك ثمناً لسكوتهم، كما قبضنا دماء الصمت على من قبلك، يوم الكرامة يجب وحق لها علينا أن يُسمى بيوم العار لا الكرامة، فأي كرامة لشعب غارق بالعار من أخمص جُبنه حتى أعلى صمته!


من ضيق،
إيناس مسلم
12/03/2014


السبت، 8 مارس، 2014

بين الخلاف والاختلاف

(مُنع من النشر)

أذكر خلال زيارتي لفرنسا أن أحد الأساتذة أثناء حوار حول الاختلاف علّق قائلاً: ما أغرب أن تجمع لغة واحد اثنين وعشرين قطراً، ومع ذلك لا يتمكنون من تحقيق ولو مصلحة واحدة مشتركة بينهم.

أهم وأول وسائل الاتصال في العالم هي اللغة، ومن حسن حظنا أن العرب كافة تجمعهم لغة واحد تختلف لهجاتها من قطرٍ إلى آخر،  ومع ذلك نجد شتى الاختلافات بيننا لتفرقنا، ما أسهل أن نتواصل مع بعضنا، وبرغم ذلك ما أصعب أن يثمر من هذا التواصل نتيجة تحسب لصالحنا! كيف نملك القدرة على التحدث ما بعضنا بحرف ضادٍّ واحد، ونفتقر إلى مهارة فهم بعضنا أو أضعف الإيمان  تفهم بعضنا، يحدث أن أصف شعباً عربيّاً ما بالبطل، لاحتماله ما لم تحتمله الشعوب الأخرى، لأننا ببساطة شهدنا لغيره ما شهدنا عليه من ظروف ٍ سياسيّة خارجة عن إرادته، وأثبت على عكس غيره قدرته على الاحتمال والصبر والصمود، بالتالي له الحق بأن يوصف بالشعب الجبار، مع ذلك تجد سفيهاً يأتي ليصفك بالعنصري الإقليمي، وتجدني أنا بدوري  أصفه بالسفيه لأنه ابتعد عن جوهر الفكرة الأصيل وفهم القشور من زاوية نظره الخاصة التي لا أتفق معه في النظر منها.
من أين وضِعت كل هذه الحواجز بيننا حتى نسينا كيف نلقي التحية على بعضنا البعض دون التخوف من نتائج تلك التحية، من أين لنا بكل هذه الكراهية بيننا، وكل هذا الكم من المشاعر القبيحة التي يحملها شعبٌ عربيٌّ لآخر، في أوروبا يكادُ المرء لا يجد دولتين تجمعهما حدود واحدة يتحدثون بلغةٍ واحدة، أو ربما مشتركة على الأقل، مع ذلك يملكون عملة واحدة، وتجارة واحدة، واتحاداً واحداً يجمعهم حقيقةً لا مجرد ظاهريّاً من باب البروتوكلات السياسيّة، ولم أتناول المثال خوضاً لنقاش المقارنة العقيمة بين الغرب والعرب، إنما يؤسفني أننا نملك الميزة الأقوى مع ذلك نبقى على مر القرون الحلقة الأضعف!!

منذ وصولي هنا، وأنا أسمع من كل صاحب جنسيّة عربية ما تحذيراً اتجاه أصحاب جنسيّة عربيّة أخرى، وتعميماً عاماً عليهم بسوء أخلاقهم، وحكماً مطلق بسوء رفقتهم، لا أجد مانعاً في أن نصنف كل جنسيّة عربية مختلفة بصفةٍ ما تميزها عن غيرها، ولكن أن ننظر إلى الجنسيّات العربية المختلفة على أنها عدوّنا، وعلينا عدم الثقة بهم، وعلينا الحذر الدائم منهم، هذا ما أجد مانعاً قويّاً في قبوله، ربما لو اتخذ العربي قديماً حذره من الأجنبي الغربي قدر حذره من أخيه العربي، لما كان هذا حالنا اليوم، وربما لو ألقى بعض أحماله من الحذر اتجاه ابن عروبته على جنب،  وألقى بعضاً من همومه كعربي والتي يحملها ذاتها أيّ عربيّ آخر، لكنّا وجدنا حلاً جذريّاً لكل أزماتنا في الماضي والحاضر والمستقبل، إن كُتب لنا أن نشهد مستقبلاً على حالنا هذا.

ليس العامل المشترك الوحيد بين العرب هو اللغة العربية، إنما الهموم بيننا مشتركة كذلك، كل الشعوب العربية تعاني من القمع السياسي، و كل الشعوب العربية تعاني من الفقر والجهل، وكل الشعوب العربية تعاني من الاستعمار ما ظهر منه وما بطن، وبرغم قدرتنا كشعوب على توحيد قوانا واستغلالها للأفضل، نفضل أن نشتت أنفسنا أكثر ونغوص في الصراعات الطائفية والعنصرية والإقليمية ، وكل أسباب النزاع الأخرى بيننا.

برأيي الشخصي الاختلاف أحياناً وفي الغالب حالة صحيّة، وأجد أن عروبتنا هي الجوهر، والاختلافات الأخرى ليست إلا اختلافات سطحية من شأنها توطيد علاقاتنا لو أردنا لا تغريبها أكثر، فلماذا حين يحرّم كل ما هو منطقي على إيذاء النفس، نصرُّ نحن على ذبح أنفسنا يوماً بعد يوم بذبح بعضنا لبعض، وبذبحنا لعروبتنا بأيدينا برغن أن حتى أسلحتنا وخناجرنا وسيوفنا واحدة، وكل ذلك وبيننا أصلاً عدوٌّ قائم، بلغة مختلفة، وعادات وتقاليد مختلفة، وديانة مختلفة، ونمط حياة مختلف، وفكر وعقل مختلف، وأشكال ومظاهر مختلفة،  ومن أصلٍ مختلف، وأرضٍ مختلفة، حتى وصل الاختلاف بيننا إلى مخالف لا مختلف، ومع ذلك هو بيننا!!  طردته أوروبا برغم قبولها المُطلق للاختلاف ومعرفتها لكيفية استغلاله لمصلحتها، واستقبلناه نحنُ!!! لماذا نحن طيبون مع العدوّ كرام النفوس، وشديدو اللؤم مع أبناء جلدتنا!!

فلنتجاهل كل الاختلاف بيننا، فمهما اختلفنا لا خلاف حقيقي بيننا، ولنركز ولو لمرة في تاريخنا المجيد منه والذليل على جعل قوتنا واحدة كما هي لغتنا، ولنسلط ولو لمرة واحدة غضبنا على عدوّنا الحقيقي، لا على صديقنا الذي صورَته لنا عيون الغرب كعدوّ!!

تحيّة من القلب لا أخاف أن ألقيها إن التقاها عربيّ....


إيناس مسلّم
1/3/2014


الخميس، 6 مارس، 2014

حُماة المقدسات!

في أخبار أمس الأول الخاصة بفلسطين، أصدرت بلدية القدس المُحتلة  قراراً يقضي بخفض صوت سماعات مآذن المدينة لما يسببه صوت الآذان من ضجيج للمستوطنين، أنا شخصيّاً لستُ على ذلك القدر من الالتزام الديني، لكن لا أتخيل العيش في أي ّ مكان لا تشرق شمس نهاره على صوت آذان الفجر.

ما أستغربه حقاً هو هذا البرود العربي اتجاه الخبر، لا تصريحات استنكار، ولا بيانات شجب وغضب، ولا تهديدات في الهواء، ومكبرات صوت تهتز لحدة الصوت، مجلس تعاون الخليج حاليا مشغول بسحب السفراء والتدخل في شؤون كل الدول الخارجية، إلا في شؤون فلسطين، وتدخلها إن فعلت لا يتجاوز إرسالها المساعدات المادية، ولكن كيف ستحارب أموال الخليج هذا القرار، كيف ستعيد إلى المآذن نداء الله عبادَه ليؤدوا الفريضة الواجبة لوجهه عزّوجل، بالتأكيد اختلفت سماعات المآذن قبل عام 1917 عنها اليوم، لكن صوت الآذان منذ ذلك اليوم حتى يومنا هذا لم يختلف، وكلمات الآذان ذاتها لم تتغير، ولن تتغير، سمعَها أهل القدس ذاتها في أحيائهم القائمة قبل قيام المستوطنات، بالتالي من لم يعجبه صوتها فليرحل عن المدينة، وعن البلد كلّها، وليعد من حيث أتى، إن كان صوت الآذان يزعجه، فليرحل إلى دولة لا إسلام فيها! ما الذي يجبره على البقاء بين المسلمين!! فلو فرضنا أنه منع الآذان في كل فلسطين، وأنه طرد كل مسلم منها، سيبقى المسلمون في الأردن وسوريا ولبنان والعراق ومصر، وسيبقى صوت الآذان عاليّاً فيها، ماذا سيفعل حينها وهو صاحب الدولة الوحيدة ذات الدين المخالِف في المنطقة!

أما ما أستغربه أكثر من تجاهل دول مجلس تعاون الخليج أصحاب العباءة الإسلاميّة المتشددة لقرارٍ كهذا، هو تجاهل حُماة المقدسات له!! أين جَهالةُ الملكة رانيا العبدلله التي في لقائها مع الإعلامية منتهى الرمحي تغنّت في حبِّ جهالة الملك عبدالله الثاني للمُقدسات الفلسطينية، وأكدت بنبرةٍ يدعمها الحزم وتغلب عليها الجديّة أكدت على سَعيّه الدؤوب لحمايتها، فأينه الآن صاحب العُهدة العُمريّة من حماية مآذن القدس المحتلة ومنع الاحتلال من كتم حناجرها، وذبح نداء الله فيها!

ربما يكون ذلك من الخطوات التصعيدية غير hgرسميّة لزيادة الأزمة حول مشروع كيري، وفَض معاهدة الحماية مع النظام الأردني، بالتالي قطع الطريق على موافقة الأردن أو رفضها لمنح أراضي الغور للاحتلال، ولكن من وجهة نظر مواطن يؤمن أن النظام مُطبِّع تطبيعاً لا عودة عنه، ما الضير إن أخذ الكيان الصهيوني الأراضي التي تزرع عليها محاصيله، المحاصيل المُسجلة بحقّه قبل حقّ الشعب الأردني فيها!!!

أي تطبيعٍ هذا الذي نحنُ فيه، وأيّ تهويد هو هذا، لا عارَ عليكم يا عرب، أنتم العار نفسه، لا يلتصق العار بالعرب، إنما التصق العربُ بالعارِ، حتى شُتم العار بهم! أنتم وصلتم إلى مرحلة التي لا لوم عليكم فيها، قد تبلدت عواطفكم الدينيّة والإنسانية والوطنيّة إلى حدٍّ لا يهم بعده، لا إن منعوا الآذان ولا إن هدموا المآذن، ولا إن هدموا المساجد نفسها، فما نفع صلاة المؤمن إن لم يكن تحرير كل شبر أرضٍ إسلاميّة محتلة أهم عباداته اليوميّة!

أما علاقة النظام الأردني والكيان الصهيوني، فالكيان قد انقلب مرة على سلطة الانتداب البريطاني التي برّت بوعدها له ببناء وطنه القومي في فلسطين حدَّ حراثتها أراضي القرى الفلسطينية له لتكون جاهزة لبناء مستوطناته، فما الذي يمنعه الآن من الانقلاب على النظام الأردني، هم يهود، أليسوا!! و ذلك بالطبع لن يجعل من النظام الأردني نظاماً شريفاً، فيدهُ غارقة حتى الكتف بقذارة العمالة، و حُماة المقدسات الذين لا يملكون حق حماية غورهم ولا أي قطعة من أرضهم، كيف سيحمون مُقدسات جيرانهم!


أما التعليق الأخير، فهو على المواطن الفلسطيني المعترض على القرار باعتباره قراراً عنصريّاً، همسة لكَ يا ابن فلسطين، نحن نقاوم احتلالاً واقعاً على وطننا، و لا نقاوم قرارات عنصريّة صادرة عن نظام دولتنا!!


إيناس مسلّم

06/03/2014