الأحد، 6 مارس، 2016

شهيدٌ وروحه وطن

شهيدٌ وروحه وطن

رغم قسوة الظروف التي مرّت على هذا الوطن وأبنائه في الأيام الماضية، إلا أنه ومرة أخرى من جديد أثبت أنه قادرعلى التحمل، وأن روح الصمود لا تفنى في نفوس أهله، مهما قست علينا الظروف المعيشية، ومهما طالتنا اعتداءات لا نستحقها، ومهما وجّه من ضربات للدولة السبّاقة في مساندة من حولها.

قد يحاول البعض العبث بوحدتنا، وبرغم أنه في ظروف عادية قد تجد من يتحدث بنفس عنصري أو طائفي أو طبقي أو غيرهم كحالات فردية لا تمثل إلا نفسها، إلا أنه في لحظة الجد والحزم ستجد هذا الوطن نسيج واحد مترابط تصبح فيه جميع العشائر عشيرة، وجميع الأقاليم إقليم واحد لا تنضب فيه روح الوطنية، هذا التلاحم الذي لن تجده في أي بقعة أخرى على هذه الأرض حتى في أكثر الدول الغربية تقدماً.

حقيقة كانت أحداث إربد في الأسبوع الماضي مثيرة للرعب، على الأقل بالنسبة لي، لم أتمكن حينها من تخيل مصير هذا البلد وأهله اذا ما وجدت داعش لها مكاناً بيننا، إنما ما أثبته أهالي هذا البلد الطيب بحزم أنك لن تجد بينهم من لديه أدنى استعداد لاستقبال هذه الفئة الضالة في بيوتها، وما يزيد دعامة الأمن هو تحالف الشعب معه ودحر أي محاولة للعبث بأمنه.

كل ظرف أليم يمر على الأردن من استشهاد معاذ الكساسبة رحمه الله،  و استشهاد راشد  الزيود، يثبت الأمن استعداده وبسالته في الحفاظ على نمط الحياة الآمنة التي ينعم بها كل مقيم في هذه البلد، لا أنا ولا غيري ننكر أن الظروف المعيشية قد تكون مريرة، إلا أننا لن نضحي بأمن البلد بأكمله، ركضاً خلف أوهام تحقيق الحريات الخادعة، شاءت الأقدار أن تكون هذه الطريقة التي أثبت بها الشعب أنه يمشي خطوة بخطوة مع جيشه وقوات أمنه، وأنه يراهن عليه بحياته، وأن أولويته أمام المخاطر هي المراهنة على المؤسسات الوطنية ومساندتها في تأدية دورها الوطني، لا الوقوف في وجهها، وهذا تماماً ما كنت أقصده حين انسحبت من الحراك الشعبي، بل ودعوت كل حراكي إلى الإنسحاب حفاظاً على أمن هذا  البلد، ومساعدة الأمن على تركيز جهوده في حماية الحدود ومراقبة نشاطات المجموعات المريبة.

لم يكن هذا موقفي وحدي، إنما كان موقف كل مواطن شريف ينتمي لهذه الأرض المروية بدماء الشهداء منذ رسم حدودها الأولى، و كل مواطن يحب الخير لوطنه قبل نفسه، مهما اختلفت وجهات نظرهم مع جهة أو أخرى، فإنه في ساعة الحزم  قلبهم وقلب الأمن واحد، وروحهم واحدة، وتمزقت آلاف الأرواح خلف روح الشهيد راشد الزيود، ولم يكن بيننا الحاقد أو الشامت، وإن وجد فهو لم يرضع من أصالة هذا الوطن يوماً، ولم يفقه جوهر الانتماء في سنين حياته على هذه الأرض الخضراء.

أصابني الخوف لوهلة أثناء المداهمة، إنما ثقتي في الأجهزة الأمنية وقدرتها على السيطرة أكبر بكثير من أن أشعر للحظة بالقلق من مجموعة شباب غافلة انقادت وراء مغريات وهمية، وسولت لهم أنفسهم الدنيئة أن يؤذوا هذا الوطن ويحاولوا العبث بأمنه، ولكن أيّاً منهم لم يدرك أي هلاك قد ساقته أقدامه إليه، هيهات منّا الرضوخ لهذه التهديدات الفارغة، نموت ألف مرة ويحيا هذا الوطن، ونموت ألف مرة ولن نكون أذلاء النفوس لداعش وغيرها ممن يدّعون أنهم يدّ الله على الأرض، وما هم إلا شوكة الشيطان الرجيم تبسط نفوذها بالسيف والساطور وسينتهي مصيرها لا تدمر إلا نفسها ومن يدعمها ويحركها.

بالختام، تحية تقدير واحترام وإجلال لمن قضى عمره في خدمة هذا الوطن والحرص على أمنه، وغرس روح الوطنية هذه في ابنه حتى قدم نفسه شهيداً لخدمة ذات القضية التي قضى والده عمره في خدمتها، انحناءة حب لهذا الأب الباشا حسين الزيود والمعلمة الفاضلة والدة الشهيد الرائد راشد الزيود.

إيناس مسلّم
06/03/2016



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.