السبت، 20 أبريل، 2013

استعراط عسكري!


تباينت الآراء حول ما سُمي بالاستعراض العسكري لمسيرة الإخوان في الحسيني أمس الجمعة، فالبعض يرى في الأمر تهديدا ً للأمن ومدعاة للخراب، والبعض الآخر يرى أنه رد طبيعي جداً على الاعتداء الذي تعرضت له مسيرة الجمعة الماضية في إربد وقد كان أكثر من تأذى بها الإخوان.

ما لم أفهمه بالمطلق هو التسمية بحد ذاتها! فكيف يتم تسمية الأداء المنظم لمجموعة من الشباب العزل بالاستعراض العسكري! المسيرة لم يرافقها جيش إخواني مسلح! ولم يرافقها طائرات تنفث البخار في السماء و"تتشقلب" حول نفسها، ولم يرافق المسيرة فرقة خيالة أو فرقة التدخل السريع بتسلقهم واقتحامهم فائق السرعة للمباني، حيث أننا لم نشهد أيّاً من هذا لا أعلم من أين جاءت تسمية استعراض عسكري فالأداء الشبابي الهادف إلى تأمين الحماية اللازمة للمشاركين بالمسيرة قد يصل مرتبة "استعراط عسكري" أو "استعباط عسكري" ولكن بالكاد يمكن تسميته بالاستعراض!

تركيزي هنا على التسمية واعتبارها أهم من الحدث بحد ذاته تشبه تماما تركيز الدولة في خلافها مع الحراك على مكان الاعتصام أو المسيرة، فمحاولتهم الحثيثة لتحويل الخلاف من خلاف سياسي حول قوانين و سلطات ومطالب يرفض النظام تلبيتها إلى خلاف حول دوار أو مربع ليست إلا محاولة بائسة لتقزيم الحراك، أقل ما يرد عليها بأن المكان آخر ما يهم الحراك حيث أنه ارتقى بنفسه عن مهاترات النظام وقرر الاعتصام في مكانه وفي أي مكان يريده الأمن تعاوناً وإثباتاً لأن هدف الحراك ليس إثارة الفوضى، أو افتعال المشاكل، أو إراقة الدماء، إنما استرداد مقدرات الوطن وسلطات الشعب لا أكثر ولا أقل.

دون شك تمكن الناشط الحراكي علاء  ملكاوي في لقائه على قناة جوسات من تسجيل نقطة ذهبية لصالح الحراك، حيث أثبت سلميته عبر طول صبره على الضيف الخصم جهاد الشيخ الذي حول نفسه من كرسي المدافع عن النظام وجرائمه إلى كرسي المتهم، فكلما حاول إخراج نفسه من مأزق أوقعه علاء بمأزق ألعن منه، الضيف السحيج برر ارتفاع المديونية من 11 مليار إلى أكثر من 26 مليار خلال عهد عبدالله الثاني بأن انقطاع الغاز القادم من مصر هو ما زادها بقيمة 10 مليارات، وذلك بسبب التعاون السري بين إخوان الأردن وإخوان مصر، أي أنه بكامل قواه العقلية والمنطقية يبرر ارتفاع المديونية بما يزيد عن 10 مليارات خلال فترة لا تتجاوز العامين بسبب الغاز المصري لوحده في حين أن فاتورة المحروقات كاملة لم تصل حتى إلى نصف هذه القيمة!

لم تكن سلمية الحراك النقطة الوحيد التي أثبتها الناشط ملكاوي، بل أيضا برهن على مدى ضحالة فكر من فضل موالاة النظام على موالاة الوطن والانتماء له، وأثبت على مدى عمق ثقافة الحراكي وحقه في الدفاع عن وطنه وقناعته بالإثباتات والبراهين على صدق قضية الوطن في نهب مقدراته وسلب إرادة شعبه، للحظة كدت أعتقد أن ملكاوي هو مذيع الحلقة لا محمد حباشنة لكثرة توجيهه الأسئلة لجهاد الشيخ التي لم يتمكن من الإجابة على معظمها حتى بعد أن كرر طرحها عليه المذيع، وحتى تلك التي تمكن من إجابتها كانت إجاباته أكثر من واهية واختتمت بابتسامة صفراء يحاول بها إخفاء ضعفه أمام خصمه، ولم يجد طريقة لمحاولة موازنة النتيجة إلى صالحه إلا بمهاجمة الإخوان واتهامهم بامتلاك أجندات خارجية، وقبول الدعم المادي من إيران ألا وهي حجة من لا حجة له، وكأن علاء  ملكاوي هو الناطق الرسمي باسمهم أو محامي الدفاع الخاص بالحزب ليقوم الشيخ بمخاطبتهم عبره.

الاتهام الذي تجاوز به الشيخ حدود الرشد هو أن الحراك ممول من قبل أصحاب تهم الفساد، متناسياً أن أولئك قد عينهم الملك لا الحراك، متناسيّاً أنهم رعية الملك وحاشيته لا حاشية الحراك، متغاضياً عن حقيقة أن حتى ملاحقتهم قانونيّاً ليست إلا مسرحية قضائية يقوم بتمثيلها وإخراجها النظام، طالب الشيخ الحراك بمنح النظام والحكومة الجديدة ومجلس البرلمان غير المعترف به الوقت للإصلاح، على اعتبار أن الحراك وخلال ما يزيد على الـ26 شهراً في استمراريته كان يمنحهم الوقت للتسلية واللعب! لم يكن حديث الشيخ الوحيد الدال على مدى سطحية الموالاة فقد رافقت حديثه الرسائل التسحيجية السخيفة من التعليق على مظهر ملكاوي أو على هندامه، في حين انعدمت قدرتهم على انتقاد الجوهر قاموا بنقد المظهر ليثبتوا تجردهم من أي منطق أو عقلية متفتحة، ورافقته أيضاً مكالمات تمكن المذيع من وضع يده بأسئلة بسيطة جداً على مواطن الادعاءات الكاذبة في فحواها.

يطول الحديث عن الحراك  ولكن فيما يخص الإخوان سواء كنت معهم أم لا فلا يمكننا إنكار، أنهم حزب مرخص من الدولة، ومكوّن أساسي من النظام والحراك، هذا ليس دفاعاً عنهم، فأهداف الإخوان لا تخفى على أحد، وشتان بين الحراكي المناضل من أجل الوطن والحراكي المناضل من أجل المنصب أو السلطة، والإخوان في نهايتهم مثل أولهم حزب أنجبه النظام التابع للسياسة البريطانية والأمريكية والصهيونية، وإذا تم اتهماهم بالتعامل مع الولايات المتحدة وبريطانيا والكيان الصهيوني وبالوقت ذاته قبول الدعم المادي من إيران، فذلك لا يبرئ النظام من معاهدة السلام التي وقعها بكامل إرادته مع الكيان المحتل، ولا يجعله بريئاً من الـ200 جندي الأمريكي الذين دخلوا الأراضي الأردنية بحجة حماية الحدود من العدوان السوري، فإذا لم يتمكن الجيش العربي بفخامة تاريخه من حماية الأردن تمكن شعبه من حمايته، ذلك بحال تم اعتبار كلام الرئيس بشار الأسد الذي استنكر عدم قدرة الأردن على منع تسريب الأسلحة عبر حدوده إلى سوريا مع أنه تمكن من حماية حدود الكيان الصهويني من دخول لو طلقة عن طريقه إلى فلسطين المحتلة، وطالب الرئيس عبدالله الثاني بمراعاة شؤونه الداخلية وذلك أقل ما يجب عليه أن يقوم به، فزج الأردن بالملف السوري مغامرة لا يوّد رأس النظام الدخول بها، و خسارة الأرواح في الحرب بالتأكيد تختلف عن خسارة الأموال في لعبة،في الختام  ليس من صالح النظام فقدان السيطرة على السياسة المحلية أكثر مما فقدها حتى الآن، فلا الحراك ولا الإخوان يظهران النيّة بالتراجع أو التنازل عن المطالب والسقوف العالية التي لا يعترفان بوجودها من الأساس!

إيناس مسلّم
20-04-2013




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.