الأربعاء، 18 سبتمبر، 2013

الستر المستورد

قام رئيس الوزراء مؤخراً بشراء سيارة بلغ ثمنها 180 ألفاً، في المقابل قام بخطوة جريئة برفع الضريبة على الملابس الداخلية المستوردة، الهدف من السيارة التنقل من مكان إلى آخر، بالتالي أي هيكل معدني بأربع عجلات يفي بالغرض، ولا حاجة للتباهي بسيارة فارهة أمام شعب بالكاد يملك ثمن شراء رغيف الخبز، أما الملابس الداخلية والتي في المعظم يتم استيرادها من الصين فإنها من أشد البضائع الاستهلاكية التي يحتاجها الشعب لحمايته من اجتياح التسلخات جلده الجاف وجسده المتهالك الذي لا يملك المعظم تأميناً صحيّاً لعلاجه، فما بالك حين يطال الأمر ستره.

أعلم تماماً مثلك عزيزي القارئ أن المقدمة سخيفة للغاية ومهينة لغاية أكبر، ولكن نعم هذا مقدار الانتهاك الذي وصلت إليه الحكومة من حقوقك، هذا المقدار الذي استباحت به الحكومة رزقك وحددته لك، وهذا المقدار الذي استباحت به خصوصيتك حد فضح عرضك وكشف سترك برفع سعر الملابس الداخلية عليك، المواطن الأردني البسيط الذي سكت ولا حيلة بيده أمام رفع أسعار الكهرباء عليه، ومنعه من فرصة التعليم العادلة، وحرمانه من التأمين الصحي، وتهديده برفع سعر الخبز عليه، وصل الأمر في استغلاله برفع سعر ملابسة الداخلية لشراء السيارات التي يصل ثمنها مئات الآلاف، رغم أن الضرائب التي يدفعها أصلاً لا تذهب لخدمة الوطن أو خدمته بل لدفع رواتب الوزراء الحاليين والسابقين.

لو كان هناك سلعة محلية بديلة للملابس الداخلية المستوردة، لكنت أول من شجع رفع الضريبة عليها لدعم الصناعة  الوطنية، ولكننا لا نملك البديل، فبأي حق يتم رفع الضريبة على سلعة فريدة من نوعها ومستوردة من بلد أخرى، ولماذا لا يتم رفع الضريبة على البضائع المصدرة لإنعاش الاقتصاد المحلي المتردي، وخاصة أن معظم صادراتنا تذهب لدول غنية أصلاً، بالتالي بإمكاننا الاستفادة من دول لديها ما يفيض عن ميزانيتها من أموال مقابل محاولة معادلة عجز ميزانيتنا!

لأي مواطن الحق في رفض النسور، واعتباره جاحد وظالم ينهب جيب مواطن بسيط ليرفّه عن نفسه، ولكن أي مواطن مدرك لحقيقة أنه لم يبقى له ستراً مغطى، عليه في الواقع المطالبة بتغيير السياسات التي أدت لتعيين الحكومات المستهترة، وعليه أن يدرك أن القضية ليست قضية استبدال أسماء فاسدة بأخرى بل قضية تغيير نهج التعيين، ومنحه حق اختيار حكومته بنفسه وإذا ما وجدها استغلالية كغيرها لديه الحق حينئد بمحاسبتها واسترداد ما سرقت منه بسلطته الشرعية.

إن السياسات القمعية المتبعة من قبل النظام، لا تقتصر على مجال القمع الأمني من اعتقالات للناشطين السياسيين، بل تجاوزت ذلك إلى حد ازدراء المواطن حتى الوصول إلى ملابسه الداخلية، وقمعه في حقه في ستر عورته، في المرة المقبلة لن تحتاج البنك لتمويل سيارة أو بيت أو تسجيل ابنك في الجامعة أو تأمين ولادة زوجتك في المشفى، بل ستحتاج البنك لتمويل ملابس عائلتك الداخلية مقابل من يتمتع بالسيارات الفارهة والقصور العامرة، ففكر بأمن وأمان عرضك حينها.

فلنقف للحظة ولنفكر إلى أين سيصل الحال بنا وبالوطن، إذا ما استمرت سياسات الفساد على ما هي عليه، ولنفكر كيف يمكننا أن نغير ونحمي الوطن وأنفسنا من السرقات المقبلة، فلنفكر ماذا لو تخلى  الوزراء عن جزء من رواتبهم  ومصاريفهم الباهظة، ماذا لو امتنع نائب عن تجديد خزنة أسلحته وتزويدها بأحدث أنواع الصواريخ الجوية لاستخدامها تحت القبة، مقابل وضع تلك المصاريف المأمنة من جيبك وجيبي في خزينة الدولة، وفرض استخدامها لخدمتك وتأمين تعليم أولادك المجاني وعلاجهم، ماذا لو وضعت تلك الأموال لخدمة وطنك لا لخدمة الوزراء والنوّاب وكل مسؤول أنت على يقين من فساده ومعيشته التطفلية على حسابك.

النسور .. ماذا لو فكرت دولتك للحظة بستر الشعب عوضاً عن تعريته لترفيه نفسك!

إيناس مسلّم

18-09-2013




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.