السبت، 24 ديسمبر 2011

مأتم دكتاتوري لا عرس ديمقراطي


يوم الانتخابات قررت عدم الحضور رحمةً برصيد أبي لكثرة اتصالاته للاطمئنان عليّ، وفي كل مكالمة يقول لي هناك مشاجرة عند كلية كذا، أهي قريبة منك؟ هناك مشاجرة عند كلية كذا، أأنتِ قريبة منها! وأنا أستنكر ادعّاءات أبي وأقول له لا يوجد مشاجرات أو عنف أنت فقط تصلك الأخبار من مصادر خاطئة، الوضع هادئ والأمن مستتب، استمع إلى راديو الجامعة وتأكد بنفسك...... و من شدة بهجتي بما سمعت على الراديو من "  تجربة ديمقراطية ناجحة، مشاركة فعّالة للطلاب، عرس ديمقراطي... إلخ" كسرت قراري و ذهبت لدعم مرشحي الذي كنت أعلم مسبقاً بخسارته وقررت الاستمرار بدعمه إيماناً بقضيته.

لفت نظري وجود سيارة شرطة واحدة فقط على بوابة الجامعة الرئيسية، فاعتبرت الأمر مؤشر خير على انعدام المشاكل التي تستوجب الوجود الأمني المُكثف أو حتى الاحتياط الأمني في يومٍ كهذا! دخلت الجامعة وإذا بأعدادٍ غفيرة من الطلاب تتجمع بساحات وشوارع هذا الصرح العلمي الشامخ، أعداد لم تشهدها أسوار الجامعة في أكثر أيام نشاطها العلمي، وسماعات تبث الأغاني  الوطنية عبر أثير راديو الجامعة  تم وضعها في كل زاوية، تؤكد إحساسك بأنك في عرس.

عند وصولي كلية الأعمال لم أستغرب وجود وجوه جديد لم أرها قط من قبل خلال سنواتي الأربع في الجامعة!! ولم أستغرب وجود وجوه ملثمة حيث أني بررت الأمر اعتباطاً بأنه أحد المظاهر المتعارف عليها بالأعراس، وطبعا لم أتفاجئ عند اكتشافي أن هناك  مدخل للإناث ومدخل للذكور إلى الكلية حيث قلت في نفسي "ونعم الجندرة" عذراً أقصد "المسخرة"!! ما أروع من توصل إلى تلك الفكرة الأمنية للحفاظ على سلامة الطالبات، على أساس أن المداخل المختلفة ستوصل الطلاب إلى صناديق اقتراع مختلفة! وعلى أساس أن من يحمل نية افتعال مشاجرة لن يفتعلها إلا على باب الكلية الذي سيلتزم بالوقوف عنده طيلة مدة التصويت!!

انتهى التصويت على خير ووصلت بصعوبة إلى أصدقائي، الذين اتخذوا من أبعد مرافق الجامعة مجلساً لهم للاستمتاع والمشاركة الفعّالة بالعرس الديمقراطي، وبعد الاطمئنان على سلامة الجميع بدأت مرحلة رواية الحكايات عن المشاجرات وأعمال الضرب والقتل والذبح، وما زال راديو الجامعة يبث فرحة المتصلين  من الميدان الانتخابي، في نفس الوقت الذي كانت فيه إذاعات أخرى تذيع خبر المشاجرة في كلية الآداب، وعملية الاعتداء بالضرب على طالبة وكسر بوابة الكلية الزجاج عليها، وكانت تبث مباشرة استياء الطلاب من أحداث العنف، ومن قيام "بلطجية الجامعات" بمنعهم من التصويت وإغلاق البوابات، بنفس الوقت الذي سمعت به أحد الملثمين يقول لآخر لن أخرج من هنا اليوم إلا بدم فلّان على يدي! وتأكيداً على حسن النيّة اعتبرت أن فلّان ما هو إلا خروف قام صاحبه بتسميته وسيقوم بذبحه ليطعم الحضور احتفالاً بهم.

بالتأكيد غادرنا الجامعة على عجل وقلوبنا على أكفنا، فإذا  جئنا هنا لندرس كيف انتهى بنا الأمر بحربٍ أهلية لا خاتمة لمعاركها!!!!! مساءً وبعد إعلان أسماء الطلاب الذين نجحوا، كل اسم قرأته كنت أعلم مسبقاً بفوزه! سواء كان من الفائزين بالتصويت أو بالتزكية، التي بالمناسبة حتى اللحظة لم أفهم مبدأها، فكيف لأحدهم أن يرشح نفسه دون وجود منافس له!! أحقاً عليّ أن أصدق أن هناك قسم ولو كان عدد طلابه ثلاثة يرشح أحدهم نفسه فلا يختلف عليه البقية!! أو لا يتشجع أحدهم لمنافسته!!

وطبعا لتكتمل أفراحنا يجب أن نقوم بإطلاق العيّارات النارية  فهذا واجب مقدس بالأعراس،  حيث أنك إن لم تشهر سلاحك وترفعه بوجه السماء وتفرغه من الرصاص لن يـُوثق احتفالك ولن يـُعترف به وسيشك أبناء عشيرتك برجولتك!! لذلك عندما شاهدت إحدى القنوات، والذي كان واضحاً فيه مشهد الطالب الذي قام برفع سلاحه داخل الجامعة وعلى باب الكلية ووسط مئات  الطلاب وإطلق النار منه بلغت فرحتي حدودها القصوى، هؤلاء أبناء بلدي الذين ما حملوا عود أسنان بوجه عدو، هاهم يحملون الأسلحة إلى الجامعة ويطلقون الرصاص بين أسوارها، فاستحضرت على الفور صورة سيارة الشرطة المنفردة على البوابة الرئيسية مما دفعني إلى التساؤل، إذا امتلك جهاز أمننا القدرة على فض اعتصامات كان بها الآلاف من المشاركين والسيطرة عليهم بشتى الوسائل من العصا إلى المنقل، فكيف اليوم لا يملك القدرة على السيطرة على مجموعة شباب لا يحركهم إلا الطيش والجهل! ولماذا تحديداً اليوم كان هناك سيارة شرطة واحدة فقط!!! علماً بأنه بأيام الدوام العادي يتواجد على البوابة أكثر من سيارتين، و الحكومة التي تمكنت من انتزاع الرصاص من البنزين كيف تفشل في نزعه من الجامعات!! أدركت لحظتها أن ما شهدته الجامعة الأردنية يوم الانتخابات كان مأتماً دكتاتورياً مخططاً له لا عرساً ديمقراطيّاً.......... 

جامعتي العزيزة، إذا توجب عليّ المخاطرة بسلامتي في كل يوم أذهب به إلى محاضراتي، فشكراً أنا لست بحاجة شهادتي.. حياتي أهم!!!!!!!

هناك تعليقان (2):

  1. محمد شطناوي24 ديسمبر 2011 8:52 ص

    لقد أصبحت الانتخابات الجامعية انتخابات " تفريق طلبة " وليست انتخابات "اتحاد طلبة"

    ردحذف

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.